تأملات عراقية -- الشاعرة العراقية ميادة العاني
شعر .. مقالة .. دراسات ثقافية نقدية
.
.

رفقا بعراق .. الفرقاء

رفقا بعراق .. الفرقاء

 

(( إن البيت المنقسم على نفسه لا يمكن أن يبقى دائما.…. ))

                                                                         ابراهام لينكولن

 

     بدءا لنبتعد قليلا عن مسرح الأحداث ونأخذ دور المتفرج لما يجري على الساحة العراقية ولتكن نظرتنا شمولية لا منزوية في اتجاه واحد فتأخذ بعداً واحداً يسوق التفكير نحو نتائج سلبية لا حدود لها دون إيجاد مبررات حقيقية أو مسوغ حقيقي نستشف منه معياراً دقيقاً لآدميتنا .

     فقبل أن نبدأ بـ (تحليل ) الساحة العراقية والتطبيل للطائفية المقيتة .. علينا أن نؤمن إن الإنسانية وحدها هي من جمعتنا سبقها لذلك دجلة والفرات

     إن اللجوء إلى إحياء الانتماءات والولاءات الفردية على حساب الولاء الأحق للوطن والشعب إنما نعزوه إلى حالة فشل سياسي يؤدي إلى لجوء الأفراد إلى التنوع في إيجاد جبهة سياسية خاصة بها لتامين حمايتها ومصلحتها الفردية وبالتالي تتحول الدولة إلى مشاريع تقسيمية طائفية وعرقية ينساق نحوها الأفراد بحالة من حالات اللاوعي لترسم حدود ( دولتها ) المزعومة بالدم والإقصاء بعيدا عن معايير المواطنة .

     تناحرات سلطوية تعزف سمفونية الألم الدامي لشعب ذاق الأمرين حتى ضاقت الأرض بأجساده .تدخل يفرض نفسه بضراوة من دول ( الجوار ) وغير الجوار بكافة فصائلها ومعتنقاتها ومذاهبها لتشكل زمرا من زمر الإرهاب وشبكات التصفية الفكرية والجسدية .

     حتى الإرهابي وفي نظرة تحققيه تجده يقيم فروض الطاعة والولاء التام لانتمائه لبلده إذ يقدم خدمة جليلة لدولته التي في صالحها أن تبقى ساحة العراق مشتعلة .فهل عجز العراقيون عن تقديم الولاء لتربة احتضنت وتخضبت بدماء الآلاف من أبنائنا وأهلينا على مدار حروب أكلت من جرف هذا الشعب طاقات خلاقة كان أحق بهذا البلد أن ينهض بها ؟ ألا ينتفض الدم في العروق ثاراً لهم حتى بتنا نثار من أنفسنا ؟ ونعلق الآمال على حكام ارتضوا لأنفسهم تسمية الفرقاء السياسيين الذين بفضلهم تفرق شعب العراق حتى صار مادة دسمة للفضائيات والتي يهمها من الأمر برمته التمويل لا التأويل شانها في ذلك شان الصحف التي تخصصت كل منها بطائفة معينة وفئة دون غيرها .

     لقد منحت الأحداث الدامية في العراق بعضا من الأقلام المتلونة لقب ( محلل سياسي ) في وقت لم يكن يجيد فيه كتابة عمود صحفي ذي بال , فهل يعطينا أي محلل ( سياسي أو مختبري ) لا فرق - فالأمر سيان نتائج دقيقة عن عائلة ( فرقاء ) فيما إذا كانت ستفرقهم الفيدرالية أم ستجمعهم المصالحة الوطنية ؟!

     تعلمنا إن المادة تتكون من جزيئات صغيرة كل منها تتكون من ذرات اصغر فهل ما يجمع هذه الجزيئات هي المصالحة الإلكترونية ؟ أم هناك قوى خفية هي قوتي التماسك والتلاصق ؟ هذا في المادة فكيف بمجتمع فطر على روابط اجتماعية تآخت فيها الأديان والدماء وان انتقل كل منهم للعيش بين أبناء فرقته مؤتمناً الآخر على بيته وماله وقبلا ائتمنه على عرضه وشرفه .

     المعارضة الحقيقية هي الثورة الفعالة لاستعادة ما اندثر تحت تراب الطائفية والقسرية وليست أولئك الذين يتراشقون التهم من خلال الفضائيات ليضع كل منهم على طاولة المشاهد مفاسد تعكس عفونة بواطنه بعد ( نضاله المرير ) في الدول الأوربية .

     لست بصدد معارضة الفيدرالية ولا حتى الترويج للمصالحة الوطنية فمدعيها هم الأحوج لها من شعب مضت عليه الخطوب والكوارث دون أن تشهد ساحته ما شهدته اليوم من ( اجندات ) فرضت نفسها سيفا على رقاب البسطاء الذين هالهم ما دخل معترك الساحة اللفظية من مفردات لم تشهد التطبيق كالديمقراطية والاجندة والحصة التموينية وعائدات النفط والأراضي والمساكن سقطت كلها من غرباله ولم يتبق منها سوى فرق الموت والطائفية والتهجير القسري .

     سلالات الدم بدت متوارثة حتى اخترقت كل أسس وقوانين مندل الوراثية وباتت خطيئة امتهان البشر صفة سائدة . ولم تعد الشعارات والإعلانات المدفوعة الثمن سوى دقائق فضائية تبعث على الاشمئزاز لأنها تقطع على المشاهد متعة متابعة المسلسل او الفيلم .

     القبور والدماء التي أريقت من زمن ليس بعيد والتي انعطفت بدورها لتأخذ زمننا الحالي في طريقها ليست بحاجة إلى النبش قدر حاجتها إلى احترام قدسيتها الشرعية أولا والإنسانية ثانيا . وذلك لن يتم إلا من خلال العمل الجاد على ترميم الكيان الإنساني وإيجاد العطب الحقيقي في الجسد العراقي لتحقيق ما نص به سيدنا ورسولنا الأعظم محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) بان تحب لأخيك ما تحب لنفسك وان تستشعر انك وجارك وأخيك كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

     هنا فقط نستطيع أن نحقق الإنسان وبذلك تكتمل البنية التحية الحقيقية لأي مجتمع يطمح بالنهوض وإيجاد سبل عيش كريمة .

     لست مع ولا ضد فلكل منا جرح ينزف بصمت ونكأه يسبب أوجاعاً لا طائل لنا بحملها في زمن طغت فيه ثقافة الإرهاب وسياسة الدم التي صاحبت الكم الهائل من الثقافات الدخيلة والتي ترسخت أسسها بسرعة قياسية وهذا ناتج من (( انتصار الاتباع على الإبداع وانتصار التكفير على التفكير وانتصار تفجير الأجساد على تفجير الطاقات الإنسانية )) عن د. شاكر النابلسي نقلا عن خالد الفيصل .

     برأيي إن الأوان قد آن لان نلفظ ما علق بنا من مسميات لا تمثل جوهر الإنسان العراقي الحقيقي واستبدالها بما هو امتداد لماضيه فيا أيها المتناحرون .. رفقا بعراق الشركاء لا الفرقاء . 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 29 يونيو, 2007 08:08 م , من قبل malam
من المملكة العربية السعودية

شكرا للااهتماك بالموضوع لان اصبح العراق من المنسي هو وشعبه لانهم مساكين منذ العصور القديمة وهم يعانون ولا احد يسمعهم




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.