تأملات عراقية -- الشاعرة العراقية ميادة العاني
شعر .. مقالة .. دراسات ثقافية نقدية
.
.

حلم تعبان .... وليل أدركه النسيان

حلم تعبان .... وليل أدركه النسيان

قراءة في حياة شاعر

غانم هاشم الفياض

 

 

الشعر الشعبي فن من الفنون الأدبية الجميلة .. له سلسلة متراصة من الرواد ذوي الامتداد الشبابي المتميز .

وبين الفينة والأخرى , تطفو على السطح قصائد لها خاصية الاختراق والاجتياح .. دون الركون إلى نوع الاهتمام , قصائد وأسماء يحق لها أن تضع بصمة في تاريخ الكلمة والحرف على حد سواء أكانت هذه الكلمة شعبية أو فصيحة .

من هؤلاء الأسماء التي لمعت في سماء الحروف الشاعر الشاب السقشخي ( الماروسي )والعراقي الجلدة والانتماء الشاعر غانم هاشم الفياض .. والذي أخذت قصائده على عاتقها أرخنة الأحداث بشكل يضمن لها سلامة الوصول إلى الكم الأكبر من العقول بمصداقية الحس والمعنى

إن التوافق الزماني والمكاني القابل للامتداد , والارتباط التشعبي بين الماضي والحاضر على خط سير واحد من الظلم والاضطهاد والمتزامن مع سوء تعاقب الأحداث على طبقة معينة من البشر في مجتمعاتنا والتي بدورها تشكل الأغلبية ,نجد إن هذا السواد دافعا محفزا لأصحاب المواهب الحسية لتجسيده كل حسب إمكاناته وقدراته .

وقد تبنى الفياض هذه القضية شعرا بأجمل ما يكون وجسده تجسيدا حسيا ملحميا .

فطريق الظلم الذي ابتدأ معه منذ أن بدا يشق طريقه في الحياة كانسان .. كان أول ما يتذكر من طفولته نعشا يلفه علم العراق وتكبيرات لرجال تحمل على أكتافها ثالث شهيد يدخل مدينة سوق الشيوخ - في الحرب الإيرانية العراقية- إلى مثواه الأخير ليعي انه نعش والده

*

انتمي السوكَ الشيوخ  
البيها ثالث علم ....طب
جان ابوي الشايله

 

و الذي طالما كان هناك توافقا حسيا بين يد الأول وخد الأخير

 **

( من كثر ما لوعتني جفوف ابوي

كمت احس ابكل ارض بالدنيه داري ) .

 

وتبدأ المسيرة وتتوالى الأحزان , إلا إن الإصرار والكبرياء التي جبل عليها كانت مصدرا لدفعه على المواصلة وتخطي العقبات والمرور بعربات العناد فوق الجروح .. والاستمرار والانطلاق لفتح آفاق متجددة متجاوزا كل العثرات والنكبات .

وبين الحين والآخر نراه يطل علينا بإنجاز شعري متكامل من حيث الفنية والأدبية لما يمتلكه هذا الشاعر الشاب من ثراء لغوي قل مثيله لدى أقرانه من الشباب وعلى المنحيين الشعبي والفصيح

***

( لأكتب بعد كأسك الثالثة والنصف صباحا أنيقا ..

أتيت بوجهي

كي لاتقد قميصي إلا من قبل

وأنا لا أقد منك إلا عسلا

وأطلق سراح عجزي المدجج بك

شعرك اجمل مني

لكن سرابك كثيف

وأدغال عشق رجولتي

تشتاق الطلع بخاصرتك

المعبئة بالوهم والعناد )

 

كما إن دراسته الأكاديمية في التاريخ أضفت إلى مخيلته مدى أوسع في التفصيل والعمق . وإحساس الانتماء للعراق يسكره حد الثمالة .

لا يخفى على المتتبع لقصائد الفياض أن يجد مسحة الحزن بادية على أغلب نصوصه حتى باتت تقاسم الغضب والتمرد وبقايا رومانسية وعاطفة مبتورة بسكين واقعه المؤلم وأصبحت جزءا لا يتجزأ من شخصيته

 

وفي مرور على قصيدة ( حلم تعبان ) والتي يبدأ مطلعها

 

نجمه اتطيح
تفلت من سمه عيوني
تخـــدر
تنتجي اعله الكاع
تلكـــــاني..
شجره اعله الرصيف اواكـف ابكــلبين
واحد ينتجي من الضيم
ع الثاني

 

نجد إن الأحلام التي تتسم بالوردية والنرجسية في كل الأعراف نجدها عند الفياض متعبة ومنهكة ومليئة بالشجن والخوف من المجهول مشبوبة بالألم حتى بدا واقعه اكثر تفاؤلا من حلمه

فالكلمة المشبوبة بالأسى رفيقته والكلمة المقاتلة سيفه

 

ومتاني المسيح ايفوت
وبجفي صليب
وبيه ست اطفال ماتو ليله الميلاد
رسموا فوك خد الموت ست الوان
للحب.والخبز.والماي.والدم.والوطن .والناس
واحد طاح
والخمسه اصابع باقيه ابجــفي
ومتاني المسيح ايفوت
امتاني المشو بلكن يجون وبيدهم عنوان
غركت كل سفن ربعي وكلاها الليل

 

أي لغز هنا ينوي الشاعر طرحه على مائدة العقول .. فأي من هؤلاء الستة ( طاح ) ؟ في وقت نجد إن اختفاء أي منها يكسر طوق التلاحم وبذلك يخبرنا إن الانتظار سيطول وان العد يستمر تنازليا نحو التلاشي

 

مدري شلون عمري انباك
والتم اعله بالي وخيم النسيان
يتمدد على عيوني الندم

انه أمل في غد مفقود حد الندم والضياع في غياهب دروب أكلتها العتمة فسرقت العمر في زهوه فكانت شيخوخة مبكرة


فد يوم..
جاني النخل كله ابلهفه العطشان
ومحمل تراجي ابلون عمري الفات
امتدت اديِِهّ وضاع بيهه الشوف
جابت تمره وحده وعافت البستان

 

 

كما أسلفنا فان نصوصه جزء من شخصيته المتسمة بالكبرياء فنادرا ما تخلو نصوصه من الإشارة إلى تلك الصفة برمزية النخيل وشموخه رغم إن لون الثمر الذي اقترن بلون عمره القاتم إلا انه يأبى التنازل عن منصة الترفع

 

بيني وبين وجه امي
عمر يمتد مسافه خوف
وبيني وبين اول بيت بالدنيه
ظلام
وموت يعبر والطريق سيوف
وبيني وبين وجهك ليل
طش ثوبه.......وخنك صبحه
روحي امرايه المجتول
وسنين العمر حلمين
وعيون التغمض بالفشل وكحه

 

وقلما تخلو نصوصه من الوجوه التي لها سمة مؤثرة في حياته الخاصة .

وهنا نجد التراتبية الزمنية والحسية التي قام بإيجاد العلاقة الوسطية بين أطرافها والتي تتجه نحو التفاؤل الغير مثمر إلا من بعض كبرياء

 

وادري العود من يحله
الجفوف الزرعته
اتذبحه

 

وهنا نجد وصفا يميل إلى الدقة النزعة الغرائزية للإنسان في بواطن الحسد والحقد والاستحواذ على كل ما هو جميل وعلى حد سواء أكان مستحقا له أم لا

 

سد الباب
غم صدر اليشيل الضيم ما يكدر
يكــّسر وحــّــده البيبان
ما خليك تقراني
وتعرف كل مساماتي
وتدك ابحافرك فوك الجرح نيشان
ما دليك بجروحي.
وعناوين الطيور الغافيه ابروحي
وبصمات النخل
والكاع
والنهران
ما غمض جفن والليل شايل سيف
ما اخلي الخريف ايفوت
واوراق الشجر
ذمه
او ... وصيه ابركبه الانسان                         
 

 

هنا يكون الكبرياء واضحا ومتأبطا لقلق مشبوب بالحذر كأنه بوذي يرقص على الجمر دون أن يأبه للحروق

هكذا تجده يتكئ على جروحه كي لا يفتح الطريق للعابثين بمواجعه

إنها غرة الأصالة العراقية التي المعهودة وفطرة المنطقة الفراتية المجبولة على العطاء الأخاذ والروح التي تفيض منها رائحة الوفاء

 

فيا أيها الفياض ..

إليك والى كل إنسان كان همهالعراق

اهدي كلماتي :

 

استنفذت الشمس

وأرهقت الليل

فليس أمامك ... إلاك

لغربتك قيح

يطلقه الألم المشحون

مرارة تتأبطها أوجاع قلوب أنهكها الترحال

انك تشكو الكبرياء

أتذكر دما ؟!..

أرقناه انهرا !!

لختم هويات .. تأبى الاستنساخ

اليوم

أدركت معك سر الانتماء

اليوم

ننشد ملحمة الأعماق

لوطن مدلل

****

( يمتد مسافة ابين كاروكي

وحضن كبري )

نرمي في فناءات الغربة

نزيف آهاتنا المعبئة بالتلوث

متعب حلمك..

لكنه يقطر أرواحا طاهرة

متعب

لكنه امتداد

*****

(للحب والخبز والماي

...............والدم والوطن والناس)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*قصيدة انتماء من ديوان وجه ثاني

**قصيدة وجه ثاني من ديوان وجه ثاني 

*** قصيدة أنتِ من مجموعة أوراق جنوبية لرجل مجنون

**** قصيدة صوت عراقي من ديوان وجه ثاني

*****قصيدة حلم تعبان من ديوان وجه ثاني

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 14 سبتمبر, 2006 05:04 م , من قبل محمد العشري
من مصر

//
ميادة
مبروك المدونة الشاملة الثرية
حسك النقدي بديع يا ميادة
وقراءتك في حياة الفياض أضافت إليَّ الكثير من المعرفة
//

محبتي الكبيرة الدائمة




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.