قصة قصيرة // بين المقصلة والجسد بعد اغماضة .. لا اعرف طويلة كانت أم قصيرة , فعامل الوقت في تلك اللحظة لم يكن في الخدمة. فتحت عيني .. بحثت بتساؤل لا صدى له إلا في دفقات الدم في العروق ولهث أنفاس تتناوب مسرعة .. أقدام تركض , أصوات تعلو .. لا اسمع منها إلا الضجيج . صور ضبابية تتابع أمامي بالكاد أميز حدود أشخاصها دون أن يتجرا أي منهم بالاقتراب مني . يتعبني هذا المنظر .. اهرب منه إلى اغماضة أخرى أجد فيها شئ من راحة وكأنني احتمي بها من واقع لا انوي حتى مجرد التفكير به لا مناص .. فالواقع يقتحم معتزلي ويعيد شريط الذاكرة لساعات مضت , حين كنت أول المهرولين في الركب وصوتي يتعالى فوق الأصوات في ذلك الزحام المكتظ من البشر .. خليط من وجوه ملائكية مستبشرة وأخرى فزعة ووجوه سلبت الدهشة منها مظاهر الحياة. كان الوقت ليلا وحظر التجوال قد سرى منذ ما يقارب الساعة والنصف .. وحميد رجل شهم استجمع ما فطر عليه من غيرة لينطلق بنا بسيارته غير آبه لما قد يواجهه من مخاطر . حين وصلنا !! خابت آمالنا إذ لم نجد حميدا آخر يشهر في وجهنا غيرته أو بعضا من إنسانيته .. بل وجدنا من يطلق علينا بلادته مسبوقة بجيوبه العفنة. لا مفر من المسايرة فما نحن بصدده أهم من (( إضاعة الوقت )) في التفكير بقيم ومبادئ ((بالية )) فلا ننسى إننا في (( مقصلة )). انتظرنا .. ثم عاودنا الانتظار فنحن لا نملك إلا أن ننتظر , لا احد يلتفت إلينا . توجهت نحو صاحب الوجه المبتسم واللباس ذو الأجنحة البيضاء المنشغل بالهاتف منذ مدة (( ربما لأمر هام وخطير .. قلت في نفسي )) حين اقتربت منه تناهى إلى سمعي بضع كلمات متقطعة لاكتشف إن ابتسامته ناجمة عن لحظة غزل فرضت نفسها ساعة يعانق الموت بعضا من أجساد سقيمة . ولان يده مشغولة بسماعة الهاتف والأخرى بتعديل شعيرات تناثرت جراء ضحكة مجلجلة .. فلا مانع من التسويف .. وعلى الجميع أن ينتظر إذ لا ضير من مكالمة تدق مسمارا في المقصلة لتنبت سلالة من ملائكة (( مجرمين )) مجنحين وصل الصبر إلى أقاصيه وكان لابد من صرخة تسمر الجميع لدويها .. وتوقف السيرك عن عروضه واندفع اللاعبون نحونا بشكل لافت كل يقدم عطائه بسخاء غريب .. حتى تقدم نحونا ذلك الوجه الحاد الشكيمة ليقطع بصوته دابر الأصوات وينهي الأمر بضرورة التوجه إلى مقصلة أخرى وبسرعة فالجهاز الذي تحملنا بسببه عروض السيرك ونحن نغلي على بركان الصبر والأمل ((عاطل )) . كان علينا التحلي بالحكمة فالليل قد جاوز انتصافه ولا من حميد آخر هنا والوضع يحتم علينا إمساك العصا من المنتصف فسألته باهتمام وسيلة نقل فأجابني بالإيجاب دون أن يتنازل عن شكيمته الحادة . انطلقنا مسرعين وقلوبنا تخفق بشدة اختلط فيها الخوف والتوتر والبرد.. كنت استشعر حرارة احتكاك العجلات بإسفلت الشارع . حين وصلنا .. ظل السائق ورفيقه يراقبان حركة يدي .. فدسست في جيبيهما كسرة ضمير وبقايا حياء . دخلنا إلى قاعة كبيرة مقسمة بستائر تخفي خلفها أجسادا سقيمة فانزوينا خلف احدها , واستقبلنا وجه ملائكي يطير بأجنحته البيضاء يشاطر رحمة الكون في إنسانيته (( شتان بين الخلائق )) . كل الوجوه السقيمة كانت به مستبشرة إلا وجه أخذته الغيبوبة ليعيش في ملكوت آخر وجسد أتعبه حقن الإبر وخارت قواه من أجهزة وأنابيب تخترق أحشاءه لتهبه لحظة حياة . جبال أسى ألقت بكاهلها على حطام أرواحنا المترقبة كنت أكثر الموجودين جرأة وصلابة وربما أكثرهم حاجة للبكاء . جلست إلى جوار الجسد المنهك والمتورم ارقيه بحذر وامسك بيده .. لم يكن متشبثا بالحياة وكنا أكثر تشبثا بأنفاسه . الفجر يمد أشرعته على مدياتها والنعاس ينهك أجسادنا والخوف يمنع الأجفان من الاستسلام له . عقارب الساعة تقف خطا عموديا , انه موعد جرعات الأمل , رفعت الستار واتجهت نحو منضدة دائرية كبيرة تتوسط القاعة حيث يجلس الملاك يرقب التأوهات الخافتة اقتربت منه جفناه كانا قد استسلما للنعاس , آثرت العودة وتقديم الجرعات بنفسي يدي لم تفارق الجسد المسجى على الفراش الأبيض . أشرقت الشمس وبدأت أشعتها تخترق المتاح لها من فراغ دونما استئذان .. بدأت الحياة تلقي بظلالها أحسست بالخطوات تتزايد خارج الستار .. تتباعد وتقترب تعلو وتخفت دونما اكتراث للأجساد المنزوية خلف الستائر . بضع خطوات يشير وقعها إنها لشخصين أو أكثر بدت أكثر اقترابا .. ولا زالت تقترب حتى امتدت يد لإزاحة الستر .. ليطل الوجه الملائكي يصحبه آخر اكبر سنا وأكثر حزما .. اقتربا من الجسد وكان الأكبر سنا أكثر تقدما وبدا بتفحصه وبعد أن رفع سماعته التفت إلى رفيقه أن يدون في قصاصة (( الساعة 8.10صباحا .. ينقل إلى ثلاجة المشفى )) , واستدار نحونا بحنو فيه مسحة حزن وبنبرة أبوية استدرك كلامه بعبارة (( إنا لله وإنا إليه راجعون )) انسحبت بصمت انزويت إلى بقعة نائية ثم هربت إلى اغماضة أخرى . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 27/11/2006
.
.
السبت, 13 يناير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








