وللاسف وبعد اكثر من 1400 سنة من التعايش السلمي والانساني بين ابناء الدين الواحد فقد كشرت الطائفية بانيابها واطلت الفتنة براسها لتنذر بشؤم الحرب الاهلية مبتدئة بالتهجير القسري والتصفيات الطائفية والعرقية وعزل المناطق بصبغتها المذهبية تمهيدا للتطور النوعي في استخدام اسلحة الابادة بين الطرفين وكلها تحت انظار الدولة ( ذات السيادة ) والمحتل ( راعي الديمقراطية ) . لقد اصبحت الامتعة المحملة على ظهر سيارات الحمل علامة فارقة للشوارع البغدادية , وبتنا نستطيع ان نعرف مذهب اصحابها من وجهة المنطقة المتجهة اليها او الخارجة منها , والاسى صبغة كل الوجوه ( المغادرة والمودعة ) . تجولنا في مناطق بغداد – بعد ان تسلحنا بفيزة كل منطقة – ليتسنى التنقل بشئ من حرية والتقينا بعوائل واسر جمعهم الهم وفرقهم المذهب . كان لقاءنا الاول بالسيد مصطفى شهاب 45 سنة وهو رب لاسرة تتكون من زوجة و4 اطفال من سكنة منطقة الغزالية حاليا , شرح لنا معاناته بشئ من التفصيل وقد وجد في استرساله متنفسا بعد ان هجر بيته تاركا خلفة جملة ذكريات اذ يقول : انا موظف عشت في زمن عدمت فيه الوسيلة لشراء ابسط حاجيات بيتي وكنت حين امر من امام محلات الاجهزة الكهربائية يتملكني الحزن ومن المستحيل ان تتوجه خطواتي نحوها , لدرجة اعتبرتها من المحرمات وبعد 9/4 وحين لامست يدي ( الدولار ) ظننت ان الدنيا فتحت ذراعيها فاشتريت لبيتي مااعتبرته حلما . دون ان يراود مخيلتي في يوم من الايام - وانا اسعى جاهدا لتعويض عائلتي واطفالي ما فاتهم – اني ساضطر لتركه وترك كل الذكريات والاحلام معه مقابل ظرف بطلقتين ومهلة 48 ساعة لمغادرة حياتي كلها حفاظا على ارواحهم . معاناة السيد على سعدون من سكنة باب المعظم لا تختلف الا من حيث الوجهة فهو من العوائل المودعة وقد تحدث باسى عن فقدانه لجيرانه الذين هجروا تحت راية الطائفية بعد ان جمعتهم وعوائلهم روابط الالفة والانسانية سنوات عدة . السيدة ميسون نعمة 32 سنة تحدثت بدموع ام افقدتها الطائفية 3 اطفال اخذهم منها زوجها وعائلته بعد ان اجبروهم على الطلاق لاختلافهم في المذهب . الا لعنة الله على من يفرق بين المرء وزوجه . السيد لفتة حمادي رجل مسن يسكن مدينة الحرية اسرته تتكون من زوجته الكبيرة السن وابنيه المتزوجان وابنته الجامعية و3 احفاد . يقول ( ابو محمد ) : اعيش في المنطقة منذ اكثر من 35 سنة ورغم اني لم اغادر منطقتي الا اني اعيش اليوم في حالة من الغربة والوحدة حيث الوجوه كلها غريبة بعد ان هجر معظم جيراني وسكنت ديارهم عوائل مهجرة من مختلف مناطق بغداد ورغم انهم على نفس مذهبي الا اني لا اتالف معهم لاختلاف البيئة والنمط التربوي الذي نشانا عليه . اما السيدة ( ام عدنان ) من سكنة حي الامين والتي اجهشت بالبكاءحين استذكرت الماضي القريب وهي تقول بصوت متهدج : لقد قتلوا زوجي وابني البكر عدنان – 19 سنة - امام عيني وقاموا بركل جثتيهما واحرقوا بيتي الا ان غيرة بعض الجيران الذين هبوا لانقاذنا انا وابنتي ووالد زوجي ( رحمه الله ) . وحمدت الله فقد قدر الله وما شاء فعل السيد حيدر كاظم طالته يد التهجير بشئ من الرافة اذ يقول : نحن عائلتان مختلفتان في المذهب وقد تبادلنا المساكن والاغراض كل حسب مذهب منطقته وبذلك امنا على بيوتنا وابناءنا . رغم كل ما يحمله التهجير من الم الا ان ما حصل مع السيد ابو وسام ( صالح مهدي ) من سكنة العلاوي يدعو الى الضحك - وشر البلية ما يضحك – اذ كان يعاني واخوته من ( احتلال ) اخيهم الاكبر لمنزل العائلة سنوات عديدة والذي لم تفلح حتى ازالة الشيوع من اخراجه منه لتوزيع الارث بين الاخوة , والطريف ان المليشيات استطاعت بين ليلة وضحاها اخراجه و ( ضاع الخيط والعصفور ) . ان المتقصي عن الالم لن يجهد في البحث عنه وعن اسبابه فالعراقيون اصبحوا منابع بؤس وشقاء , ومعاناة السيدة ام جاسم ربما اكثر فضاعة من سابقاتها فبعد ان قتلت المليشيات احد اولادها واختطفت الاخر - والذي لا علم لها به لحد الان – وقاموا بتهجيرها من منطقة الحرية فانها تضيف مشكلة اخرى من مشاكل التهجير القسري الدموي وهي عدم مقدرتها على مراجعة وكيل الحصة التموينية – ونسبة الى قولها – فالمليشيات منعت الوكلاء تسليم المهجرين حصصهم التموينية التي فرضتها لهم ( الدولة ) ومما يزيد الطين بلة ان المصرف الذي تستلم منه الراتب التقاعدي العائد لزوجها في نفس المنطقة ولم تستلمه منذ 3 اشهر وهي اليوم تعاني وافراد اسرتها الفاقة الشديدة وتعتمد رحمة الله والاحسان من ذوي القلوب الرحيمة في معيشتها . الملفات كثيرة وهاهو السيد عمر عبد الله ( ابو نورس ) يفتح لنا ملفا اخر لمشكلة اخرى برزت لكثيرين ممن كانوا يمتلكون منازلهم اذ يقول : احمد الله اني ممن اتاهم تهديد مسبق مكنني من الخروج بعائلتي واغراض بيتي الا اني اليوم اعاني من مشكلة الايجار فبيتي سيطرت عليه المليشيات ولا اتمكن من تاجيره وانا اسكن بالايجار الامر الذي لم اتعوده ولم احسب له مسبقا والذي اضاف عبئا الى كم الاعباء التي نواجهها كل يوم ناهيك ان العمل اصبح غير مجد في الظرف الحالي , اضف لذلك مشكلة الاطفال ومدارسهم التي تركوها في منطقتنا السابقة وصعوبة نقلهم الى مدارس قريبة لوقوع مديرية التربية في منطقة تسيطر عليها المليشيات . ولكي نبرهن للقارئ ان الارهاب لا دين له ولا يمت للاسلام بصلة فان ما تعرض له السيد ( س ) والذي رفض ان نصرح باسمه يدعو الى الغرابة , فرغم انه شخص ملتزم دينيا – كما يقول – ومتزوج من ابنة خالته – التي تخالفه في المذهب - منذ 17 سنة الا ان المتطرفين لم يرق لهم هذا الوضع واتهموه بالخيانة والانتماء لمذهب ابنة خالته فبعد ان وجد ورقة تهديد تخيره بين القتل او المغادرة وتدخل اهل المنطقة لاثبات انتماءه لمذهبه اعطي الامان الكاذب , ولم تمض فترة طويلة على ذلك حتى قتل ابنه ذي ال 15ربيعا في باب محله وامام عينيه طالبين منه للمرة الاخيرة مغادرة المنطقة . لو عادت الايام الى الوراء فهل ستتم اعادة انتخاب نفس القوائم والاشخاص الذين انتخبتموهم سابقا ؟ سؤال وجهناه لمن التقينا بهم . والاغلب كان نادما على التصويت اصلا , فلا جدارة لمن جرت في عهده بحور الدم واشارت اصابع الاتهام الى المحتل اولا كمسبب رئيس لعمليات التهجير واذكاء الفتنة ثم بعض القوى السياسية ذات المصالح الشخصية والتدخلات الخارجية الواضحة لبعض الدول اضافة الى الايادي القذرة والتي نأسف ان نقول انها عراقية اذ مهدت الطريق للاستباحة من قبل كل هؤلاء . السجلات لا زالت مفتوحة والاقلام لا زالت تكتب والتوابيت تواصل مسيرها نحو المقابر فالتهجير غير ملامح البيئة الاجتماعية داخل المكون الاجتماعي الواحد واصبحت الكابة المرض الاول الذي يعاني منه العراقيون مضافا اليه الامراض العصرية ( الضغط والسكر ) . وما ذكرناه لا يشكل في مجمله الا غيض من فيض لا احد يعلم متى سينضب فلا تزال هناك الكثير من القصص والوقائع الاكثر فضاعة وهناك من رفض الادلاء بحزنه ربما خوفا وربما مرارة والاخر لم يجد في عزائنا ما يثلج صدره عن فقدان احبته بين المقابر والمعتقلات . السؤال المطروح على مراى ومسمع المسؤولين في الدولة هو : هل ستقف الحكومة مكتوفة الايدي امام هذا الهدم في البناء الانساني والنسيج الاجتماعي ؟ وهل يستطيع مشروع المصالحة الوطنية _ والذي طرحته الحكومة – من الحد من هذا الاستنزاف بشقيه المادي والبشري ؟ ام سيكون التهجير هو بداية النهاية ؟ . جمعهم الهم .. وفرقهم المذهب
لكنهم ( عراقيون )
ان سياسة (فرق تسد ) هي سياسة خبيثة قديمة فرضتها الدول الاستعمارية للسيطرة على الشعوب المستعمرة ذات الارادة الوطنية القوية والتي تابى كرامتها ان تعيش تحت سيطرة الاحتلال , تستخدمها لوأد الشعور بالانتماء الوطني لفصائل هذه الشعوب وتوجهاتها لمقاومة محتل واحد وجرها الى الاقتتال الداخلي بين هذه الفصائل باستخدام اسلوب ( العصا والجزرة ) لضمان ديمومة بقائها في هذه الدول مع استمرار تدفق اموال هذه الشعوب المنكوبة الى خزائنها وتامين حماية قواتها من المواجهات العسكرية والثورية بجعل رحى الحرب والاقتتال تدور بين ابناء البلد الواحد .
الماسي تنهال .. والقلوب تتحطم .. وهم ________ ؟! لا يندى لهم جبين .
.
.
السبت, 27 يناير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








