تأملات عراقية -- الشاعرة العراقية ميادة العاني
شعر .. مقالة .. دراسات ثقافية نقدية
.
.

وللخط العربي !! هموم

وللخط العربي !! هموم

 

    يعتبر فن كتابة ورسم الخط العربي من اجمل واهم الفنون الجميلة , والذي تميزت به البلاد العربية . الخطاطون العراقيون كان لهم باع طويل في هذا الفن الذي فتن رواد الشرق من جميع انحاء العالم , فايات القران الكريم كان لها حظ اكبر من هذا الفن الاصيل تمثلت في كتابات المصاحف والمساجد وزخرفتها بشكل يدعو الى التامل طويلا في قدرات الانامل وما حباها الله من موهبة رائعة . ويرتبط الخط العربي باللغة ومدى تطورها الثقافي وقد اهتم الخطاطون بتجويد الخط وابداع الكتابة .

     ولمهنة الخطاط هموم ومصاعب كاي مهنة اخرى , لذا التقينا بمجموعة من الخطاطين , والقينا الضوء من خلالهم على بعض هذه الهموم ودخلنا معهم عالم الجمال والفن وتعرفنا بشئ من تفصيل لبعض انواع هذه الخطوط .

فها هو السيد كمال الدين احمد وهو خطاط منذ 40 عاما يحدثنا عن الموهبة فيقول : انها اساس لاي فن وبدونها لن يكون هناك اي نجاح مهما كانت العلمية التي يمتلكها الفرد فالاحساس الذي يضيفه الفنان الى عمله يمنحه القا وشفافية يستشعر بها المتلقي , هذه الموهبة  تمنح العمل سرا واضحا في العمل اضافة ان الموهبة تمنح الفنان الديمومة وتجعل مسيرته كمستقيم له بداية وليست له نهاية اما الطارئين عليها فانهم يقطعون مسافة بين نقطتين .

وافقه السيد ناجي العلي وهو خطاط معروف في منطقة الكاظمية حيث قال : ان العلمية تضيف الى الموهبة مكملات فنية قد يغفل عنها الخطاط او الفنان فالاديب والكاتب يحتاج الى القراءة ليمتلا بالمفردات ويداورها في كتاباته كذلك الخطاط يحتاج الى دراسات فنية وهندسية تجعله اكثر طواعية في استخدام موهبته بما يتناسب والذوق المتجدد فالخط يجمع بين فنون الرسم والديكور والهندسة .

*هل هناك توجهات منهجية لتدريس الخط العربي ؟

يقول السيد كمال الدين : لم تعتمد الدراسات المنهجية والتعليمية في تطوير قابليات الطلاب على تعلم فنون الخط العربي والاهتمام برسم الحرف الذي هو الذي هو اساس لدستورنا المتمثل بالقران الكريم ولغتنا الام بل اكتفت بكراس صغير في المرحلة الابتدائية – ولا اعلم ان كان لا يزال العمل به جاريا – لم يشكل اي ركيزة من ركائز التعليم .

ويضيف السيد ناجي العلي : المفروض ان المدارس وخاصة الابتدائية والتي هي حجر اساس لمستقبل الطلاب يجب ان يكون لها خطة تربوية لفرز المواهب ليس في الخط فقط بل في كل المجالات التعليمية وتنمية هذه المواهب لخلق الابداع , وهذا ما لا تنتهجه الدراسة العربية بعمومها , على العكس في الدول الغربية والاوربية والتي تتبنى الموهبة منذ نعومة اظفارها وتقوم على صقلها وتهيئة كل فرص النجاح لها لانها تعتبرها واجهة بناء تضع لها حصة في حساباتها المستقبلية مهما كانت بسيطة .

     الخطاط صلاح يكشف لنا بعضا من هموم هذه المهنة اذ يقول : كنا في السابق نعمل على خط واجهات المحلات والاسواق اضافة الى جداريات المؤسسات والمدارس والاعلانات , الا ان التوجه نحو التقنيات الحديثة ودخول الكومبيوتر والاعلانات الضوئية جعل العمل ينحسر في زاوية ضيقة ليس من ناحية المردود المادي فالمادة هي اخر ما يفكر به اي فنان يحب فنه وعمله , الا ان التشكيلات الفنية هي التي انحسرت في هذه الزاوية وبقيت فنون الخط والكتابة ( اليدوية ) يمارسها الفنان على نحو شخصي فاللوحات الفنية الخاصة اما ان تبقى طي النسيان او انها تقدم للعرض من خلال المعارض الشخصية والفنية . ومهنة الخط لها ترابط يشكل في طبيعته عمل متكامل – كما يقول -  مع مهن اخرى فالنقاش والنجار وحتى الحداد يلجا الينا لغرض عمل قالب زخرفي وديباجة معينة لعمل ما كما يحصل في بناء الجوامع وبعض الابنية التي يرغب اصحابها بوضع عبارات الحمد والشكر وبعض الايات القرانية الكريمة من ضمن البناء او حفر الزخارف على الخشب ... الخ .

     الخطاط والرسام السيد  اياد الخالصي يقول باسى : هناك اقبال كبير على عمل الخطاط ونشاطه آخذ في الديمومة بعد ان كان مقتصرا على نشاطات موسمية ومتفرقة , والسبب يعود الى نزيف الدم والقتل الجماعي الذي لحق بالعراقيين مما جعل الناس يعودون الينا لخط لافتات العزاء والتابين وبشكل مكثف اضافة الى لافتات التابين او الاحتفالات الدينية .

لم نكتفِ فقط في البحث عن الهموم والمتاعب , فالجمال يدفعنا للبحث عن مفاتنه , وللخط العربي مفاتن تغري الناظر اليها ؛ للامعان والغرق في التشكيلات الزخرفية والهندسية في الرسم الحرفي وانواعه , وقد تحدث السيد كمال الدين - وهو كما يقول - متخصص في كتابة البسملة وله العديد من اللوحات الفنية البارعة لها , وحين سالناه عن سبب تخصصه بالبسملة اجاب : لما لها من فضائل ؛ فهي ما تبتدا به سور القران الكريم (باستثناء سورة التوبة ) , وهي اية من ايات القران الكريم وفيها اسم الله الاعظم ( جل شانه ) , ناهيك عن انها بداية كل فعل مباح للانسان كالاكل والشرب وغيره .

حدثنا السيد كمال الدين عن بعض انواع الخطوط التي تخصص بها في كتابة البسملة بشئ من تفصيل اذ قال : الخطوط انواع عديدة منها الشائع ومنها مايتهرب منه الخطاطون لصعوبته , فخط الثلث هو استاذ الخطوط وعملاقها واشكال حروفه كثيرة ومتنوعة لذا فهو يمتاز بالمرونة والطواعية بحيث يمكن كتابة الجملة الواحدة بعدة اشكال وتكوينات يختلف بعضها عن بعض . وعلى سبيل المثال كتابة البسملة التي تاتي كلماتها متتابعة على سطر واحد مع الالتزام بقواعد ونسب الحروف وارتباط نهاية كل كلمةمع بداية الاخرى قدر الامكان اما الشكل الاخر فهو اعتماد امتداد حرف السين بحيث يشكل قاعدة تحمل باقي الكلمات مع تداخلها بعض الشئ لتكوين كتلة جميلة فوق كلمة بسم .

اما خط المحقق فيتميز بارسال حروفه وعدم تقوسها وسهولة قراءته , وسمي بالمحقق لتحقق اجزائه وحروفه واعطاء كل حرف اشباع لذا فهو محبب للناظر اليه وهو من الخطوط التي لا يتداخل بعضها في بعض .

كان السيد كمال الدين يتحدث وهو مبتهج حتى لتشعر انه عاشق للحرف ورسمه دون ان يتعب من السرد والوصف , وعن خط الاجازة يقول : هو خط مزيج بين الثلث والنسخ فغالبا يبدا بالنسخ وينتهي بالثلث فحروفه تمتاز بالمرونة التامة والحليات الشعرية , وكتابته تلزم التداخل المتعانق بين نهاية الكلمة وبداية التي تليها , وكذلك ترابط الف لفظ الجلالة واللام الاولة , فاللوحة كلها اصبحت جميلة دون عناء كبير من قبل الخطاط لان نوع الخط وطريقته تؤدي الى هذا الشكل .

وعن خط النسخ يقول محدثنا : هناك تلازم شديد بين خطي الثلث والنسخ لوجود تشابه كبير بين حروفهما من حيث المرونة والجمال ودوران الكاسات والقابلية للامتداد , كما انهما يشتركان في تشكيل الحروف بالحركات . وتكون كتابة البسملة بالمحافظة على لفظ الجلالة في قمة اللوحة كدلالة للتفرد , ومحمولة ومتناغمة على القاعدة الممتدة من السين في ( بسم ) , والتي تقسم اللوحة الى جزئين الاسفل منها يحتوي على تكوين متماسك يعبر فنيا عن الرحمة والرحمانية . ثم تحديد الشكل بالاطار الزخرفي الذي يتناسب مع دوران الحروف واستقامتها .

اما خط التمايل والتراقص والتناغم فهو الخط الديواني ؛ لانه اكثر الخطوط طواعية للتركيب بسبب المرونة الشديدة في حروفه , وشدة استدارتها , وسهولة تطويرها , كما ان حرف الالف له ميزات كثيرة من حيث اتصاله باللام وتكوين شكل حلزوني جميل , كما ان الالف واللام يمكن اتصالهما بكثير من الحروف لتكوين اشكال عديدة .

وفي الجملة , فانه يمكن للخطاط البارع تكوين اي شكل بالخط الديواني . وهذه خطوات كتابة البسلمة بهذا النوع من الخطوط : في المعنى نجد ان لفظ الجلالة هو الاساس في البسملة ، لذا يجب اظهاره وتمييزه في اللوحة ؛ سواء في اختلاف اللون , او زيادة السمك , واختلاف نوع الخط . ثم كتابة لفظ الجلالة بسمك كبير وسط اللوحة . يليه كتابة ( بسم ) متشابكة في اعلى اللوحة وسمك اقل , مع جعل الف الجلالة مرتفعا عنها , ونراعي ان عدم رفع اي شئ على لفظ الجلالة . نتبعها كتابة الاسمين ( الرحمن – الرحيم ) معلقين بالف لفظ الجلالة , دلالة على تلازم الصفتين بالاساس ، مع المحافظة على استدارة النهاية السفلى لهما ؛ لعمل اطار دائري سفلي متوازن مع دوران الالف للفظ الجلالة , فنحصل بذلك على شكل هندسي جميل ومتناسق .

اخر انواع الخط التي اخذناها عن لسان السيد كمال الدين كان خط الجلي الديواني , وهو خط ديواني زخرفي له قواعد واشكال للحروف الخاصة به , كما ان ارضية اللوحة ( الفراغات ) تملا بنقط صغيرة .

وتتبع نفس القواعد السابقة في كتابة البسملة , من حيث ارتفاع لفظ الجلالة فوق امتداد السين , ثم ياتي حرف الحاء الممتد في ( الرحمن – الرحيم ) ليتوازى مع امتداد السين لتكوين الهيكل البنائي للشكل العام والرابط لها , وعمل شكل زخرفي متناسب , وصفة ملء الفراغات بالنقط تساعد على تحديد الشكل العام للوحة مع استخدام التشكيل لملء الفراغات .

     الجمال كان واضحا , والمهارة كانت السيدة الحاضرة , والانامل كانت تداعب القصبة بفنية عالية . كانت الرحلة ممتعة في هذا العالم اختتمها السيد ناجي العلي بامنية هي التفات الدولة الى جمعية الخطاطين ودعمها لاقامة جسر من التواصل بينها وبين وزارة التربية لالقاء محاضرات تعريفية وتعليمية عن فنون الخط العربي باشراف خطاطين متخصصين وافراز المواهب الطلابية فالجمال يستحق التقصي عنه . وحين سالناه على سبيل المزاح : مادخلك والطلاب قال : تمنيت ان يكون خط ولدي جميلا والحمد لله هو الان طبيب ويشتكي من خطه الصيادلة .

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 02 فبراير, 2007 06:21 ص , من قبل mezaji12
من البحرين

سلام

مقال رائع ومعلومات مفيدة ودمت موفقة

ادعوك لزيارة مدونتي

تحياتي
علاء




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.